كنت قد تحدثت في مقال سابق عن وجه آخر للولايات المتحدة آملاً في إدراك أن للأمور - أياً كانت- وجوها كثيرة وأن جمال الأشياء يمكن أن يدرك من جوانب مختلفة وكذلك قبحها بالطبع. بيد أن الأجمل هو في استخلاص ما هو بالفعل جميل من كل الأوجه وفي كل الأوقات وتحت مختلف الظروف.
ولعل الصين بتاريخها العريق قد أرادت بإرادة جبارة أن تستخلص كل ما هو جميل في العالم وتطوعه بل وتدجنه. وحتى لا أذهب بعيداً سأعود بالقارئ الكريم قليلاً إلى رحلتي للولايات المتحدة لأنها منطلق لما أريد قوله هنا وقبل أن أذوب في الصين وما فعلته وما تفعله. فكما ذكرت كان برنامج زيارتي للولايات المتحدة تحت مسمى اقتصاديات أمريكا وترتب عليه اللقاء مع شخصيات مختلفة سياسية واقتصادية وصحفية ونقابية ومهنية في ست ولايات وفق برنامج يومي مكثف لمدة ثلاثة أسابيع. وما أثار اهتمامي حينها هو القلق من الصين واقتصادها المتنامي بحيث أنه لم يغب الحديث عنها في كل اللقاءات والندوات ووصفها بالغول الاقتصادي المفزع. هذا الحضور للصين جعلني أبحث قليلاً عن مصدر ذلك القلق أو بعضاً منه وأول ما استوقفني معرفة أن أمريكا قد ظلت - دون دول العالم الأخرى- تتفاوض مع الصين لمدة ثمان سنوات كاملة قبل أن تصلا إلى اتفاقية تجارية بينهما وأن طول مدة التفاوض يعود إلى إصرار الصين على شروطها في دخول منتجات أمريكا إلى السوق الصينية وأن تدخل المنتجات الصينية إلى السوق الأمريكي بشروط صينية كذلك. والجميل في الأمر أن أمريكا لاعتبارات وحسابات اقتصادية وسياسية دقيقة قد رضخت في نهاية المطاف للمتطلب الصيني فالصينيون -دون ريب- قد انطلقوا في مشروعهم التفاوضي من مبدأ أن السوق هو الصين بعدد سكانه المخيف وتوقعات نمو اقتصاده وليس السوق الأمريكي.
وقد تسنى لي بالطبع زيارة بعض الأسواق في أمريكا حيث كانت المفاجأة أن وجدت المنتجات الصينية قد غزت كل مكان تقريباً وأذكر أنني عندما ذهبت إلى أحد أفرع الأسواق الأمريكية التقليدية المشهورة وول مارت Wall Mart كنت أتوقع أن لا أجد هناك -لاعتبارات نفسية على الأقل بالنسبة لي- سوى منتجات أمريكية صرفة ولكن ما حدث هو أن المنتجات المعروضة في السوق كادت أن تكون من ألفها إلى يائها صينية مع فارق وحيد لكنه في غاية الأهمية وهو أن تلك المنتجات ذات نوعيات راقية جداً الأمر الذي لا نجده كثيراً في أسواقنا. وبعد مرور سنتين تقريبا على رحلتي إلى أمريكا سنحت لي الأقدار الإلهية السفر إلى الصين ورغم قصر مدة الزيارة ومحدودية الأماكن والمدن التي زرتها إلا أنها أجابت عن تساؤلات مثيرة كانت تتردد في ذهني حول الصين وما ذا يدور هناك وكيف!. وبدلاً من الدخول في مناقشة الأسباب التي أوصلت ذلك البلد إلى تلك المراتب سأتناول الموضوع أولاً من زاوية معينة بادئاً بالتذكير بأول المساعدات التي قدمتها الصين لليمن بعيد الثورة اليمنية مباشرة ألا وهي المدرسة الفنية بصنعاء وهذا هو مربط الفرس كما أراه وقد لا يكون فاسمعني يا وطني ثم احكم وقرر !!.
فأنا أعتقد أن نظرة المخططين الصينيين إلى المدى البعيد لمستقبل بلادهم كانت ثاقبة وفيها الكثير من العبر فقد اختاروا طريق التعليم الفني والتقني سلالم وجسور للوصول إلى ما يبتغون. وأجزم أنهم أدركوا منذ وقت مبكر أن الجري واللهاث وراء التعليم الأكاديمي الصرف لن يقودهم إلى تحقيق أي نوع من التعادل أو التكافؤ مع الغرب الذي كان قد خطى خطوات واسعة في كل مجالات العلم والمعرفة وأن الانصراف إلى مجاراته في ذلك الأمر مضيعة أي مضيعة لوقت ثمين الصين أحوج ما تكون إليه في ظل عائق اقتصادي مفزع يتمثل بعدد السكان ومتطلبات حياتهم. وهكذا كان، فالزائر للصين سيذهله عدد الورش والمصانع بكل أحجامها وأشكالها في كل مكان وكل مدينة حتى أنك تجد مدناً صناعية بالكامل متخصصة فتلك مدينة للصناعات البلاستكية وأخرى للأثاث وأخرى للملابس وهكذا كثير بالإضافة إلى العدد الهائل من الحرفيين والفنيين المهرة. هذه البنية التحتية المتينة من الخبرات الفنية والحرفية كانت ولا تزال الوقود والمحرك الحقيقي للثورة الصناعية والتقنية فقد ساعد وجودها وتمتين أسسها بعد ذلك على استيعاب وتدجين أي تكنولوجيا يجود بها الغرب بكل سهولة ويسر بل وتطويرها الأمر الذي أفزع الغرب وقض مضجعه وأفرغ محتوى صناعاته من معناها المادي خصوصاً مع فارق تحدي الأسعار والاقتصاديات الضعيفة لمعظم دول وسكان الأرض.
ومن اللافت للنظر أن تجد في الأسواق الصينية جميع أنواع وصناعات وماركات العالم دون قيود جنباً إلى جنب الصناعات الصينية المشابهة والخطاب إلى المستهلك الصيني يأتي من خلال السعر لكن بنفس المواصفات خالقين وعياً استهلاكياً رفيعاً يقوم على الإقناع وليس الإجبار يرفع من مستوى ثقة الشعب بمنتجات وطنهم ولا يحبطها . والآن هل ترى يا وطني جمال إعمال العقل والمنطق في بناء الأوطان وتجاوز الصعوبات....لازال للحديث بقية. اللهم خذ بيد يمننا وألهمنا طريق الصواب آمين آمين.
- جامعة صنعاء
dralmansoob@hotmail.com
عن الوسط